"فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً"
في زمنٍ كانت الجزيرة العربية تعيش فيه اضطرابًا سياسيًّا واجتماعيًّا، برز الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، بوصفه أحد أبرز رجال الدولة السعودية الأولى، رجل جمع بين حزم القيادة ونور الدعوة، وبين السيف والعقيدة، وفي خضم انشغاله بتثبيت أركان الدولة، ونشر دعوة الإصلاح، كتب رسالة قصيرة في حجمها، عظيمة في معناها، وجّهها إلى ابنه وولي عهده عبدالله بن سعود، فكانت واحدة من أبلغ ما وصلنا من رسائل القادة في تاريخنا.
جاء في نص الرسالة قوله: اثبت على ما أنت عليه من طاعة الله، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
كانت تلك الكلمات وصية أبٍ لقائد، وموجز تجربة رجلٍ أدرك أن قيام الدول لا يكون بالقوة وحدها، بل بالثبات على المبدأ، والإخلاص في النية، كان الإمام عبدالعزيز يرى أن ابنه يسير في طريقٍ صعب، طريق الحكم والمسؤولية، فكتب إليه ليذكّره بأن أعظم ما يُستمسك به في وجه الفتن هو طاعة الله، وأن الحذر من الشبهات أول درعٍ للعدل.
في تلك المرحلة، كانت الدرعية عاصمةً لدولةٍ ناشئة، تواجه خصومًا من الخارج، ومحاولات للتمرد في الداخل، ومع ذلك كان الإمام يرى أن انتصارهم الحقيقي لا يكمن في اتساع الأرض، بل في رسوخ القيم، ولذا حملت الرسالة طابعًا أخلاقيًّا أكثر منه سياسيًّا، وكأنها تقول لابنه: احكم القلوب قبل أن تحكم الأرض.
وقد رُوي أن عبدالله بن سعود حين تلقى الرسالة، تأثر بها تأثرًا بالغًا، فقرأها مرارًا وقال لمن حوله: بهذه الوصايا نحيا ونحكم، وبهذا النهج تبقى الدولة ما بقيت قلوب رجالها صادقة.
وبالفعل سار عبدالله على خطى أبيه في الالتزام بالعدل والزهد ،فكان مثالًا في القيادة الرشيدة والورع.
الرسالة كانت وثيقة تربية سياسية، ومثالًا على الحكمة التي ميّزت آل سعود في تأسيس دولتهم، فبين سطورها يظهر إدراكٌ عميق لطبيعة الحكم، ووعيٌ بأن دوام المُلك مرتبط بصدق النية وعدل الراعي، واليوم، بعد قرونٍ من كتابة تلك الرسالة، لا تزال كلمات الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتقدّم درسًا خالدًا في القيادة والمسؤولية، فقد كتبها أبٌ لابنه، لكنها كانت في جوهرها رسالة للأمة، أن البناء يبدأ من الداخل، وأن من صدق مع الله، صدق الله معه.
