رسائل إلى ثيو
في رسائل فنسنت فان جوخ إلى أخيه ثيو، نقرأ سيرة إنسانٍ يبحث عن النور وسط العتمة، وعن المعنى في عالمٍ قاسٍ، كانت الرسائل نافذة صادقة إلى أعماق فنان لم يُقدّر في زمنه، لكنها اليوم تُعد من أعمق الوثائق التي تكشف العلاقة بين الألم والإبداع، كتب فان جوخ مئات الرسائل إلى ثيو، كانت مزيجاً من الاعترافات والتأملات الفنية والفلسفية والوجدانية، وفي كل رسالة يظهر فنسنت صادقاً مع نفسه إلى أقصى حد، يبوح بما يعانيه من اضطراب داخلي، ومن قلقٍ على مستقبله الفني، وصراعه مع الفقر والوحدة.
كان ثيو هو صديقه الوحيد، وسنده المادي والمعنوي، لذلك كان يكتب له كما لو أنه يكتب إلى مرآته الداخلية، تحدث فان جوخ في رسائله عن لوحاته التي كان يرسمها في لهفة، وعن الطبيعة التي كان يراها ككائن حي يتنفس الألوان، وعن الضوء الذي كان بالنسبة له رمز للحياة والأمل، وفي رسالته الأخيرة التي وُجدت في جيبه، بعد أن أطلق النار على نفسه في يوليو 1890م، كتب فان جوخ كلمات مؤثرة تحمل وداعًا صامتًا للحياة، قال فيها:
أخي العزيز ثيو، كتبت لي أنّك لم تتلق رسالتي الأخيرة بعد، ويجب أن أعترف أنني لم أكن متأكّداً من أنّي قد أرسلتها لابدّ أني فعلت، لأنني أعتذر لأنني جعلتك تنتظر، والآن آمل أن تكون قد استلمتها، في كلّ الأحوال الأمر على ما يرام الآن.
ثم أضاف في سطورها الأخيرة:
أما عملي، فأنا أُخاطر بحياتي من أجله، وقد تزعزعت قواي العقلية بسببه، لا بأس في ذلك، لكنك لست من أولئك الذين يتاجرون بالبشر، وكما أعلم، ما زال صحيحًا أني أراك شيئًا مختلفًا عن مجرد تاجر لوحات كورّو، فبوساطتي، لك نصيب في إنتاج بعض اللوحات، التي حتى وسط الخراب تحتفظ بهدوئها،
فهذا ما كنّا نريده وإن كانت لنا أي قيمة فهي هناك.
إذًا وداعاً، إذًا وداعًا.
المخلص، فنسنت
كانت تلك الرسالة أقرب إلى نغمة صمتٍ طويل، امتزج فيه الشكر، والحزن والاستسلام، كان فان جوخ يسلّم نفسه للقدر، بعد أن استنزفه البحث عن الجمال في عالمٍ لم يفهمه.
